un

astuces

Blogroll

lundi 22 janvier 2018

بيوت صفاقس هجرها أهلها وسكنها مشرّدون


المدينة العتيقة في صفاقس، إحدى المحافظات التونسية الجنوبية، تختزل 1200 عام من التاريخ بسورها الكبير وجوامعها وبيوتها ومقاهيها القديمة. وقد ظل سكانها الأصليون أوفياء لها لسنوات طويلة، وجعلوها أكثر حيوية بحرفهم وصناعاتهم اليدوية وغيرها. سكن معظم هؤلاء في الطوابق العليا لمحالهم الصغيرة المنتشرة في شوارع المدينة، حتى يكونوا قريبين من مصادر أرزاقهم، ويحافظوا على جمال مساكنهم التي شيدت قبل أكثر من 20 عاماً. 
بيوت صفاقس هجرها أهلها وسكنها مشرّدون
اليوم، باتت تلك البيوت، حالُها حال بيوت أخرى في المدن العتيقة في المحافظات الأخرى، آيلة للسقوط. أمرٌ دفع بأهالي المدينة العتيقة فيصفاقس إلى هجرها واللجوء إلى بناء مساكن جديدة محاذية لمدينتهم، محافظين في الوقت نفسه على محالهم الصغيرة. أما آخرون، فقد اختاروا تأجيرها للوافدين من المدن والقرى المجاورة الباحثين عن عمل. في هذا السياق، يقول محمد القرقوري، أحد تجار المدينة العتيقة، إنّ إقامة السكان الجدد في المنطقة خلقت مشاكل جديدة في المدينة لم نكن نشهدها في السابق، الأمر الذي حثّ السكان الأصليين على هجر المدينة ومحالهم، والبحث عن مناطق جديدة في المحافظة للسكن". يضيف أن "كلامه لا ينمّ عن عنصرية. لكن خلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة، شهدت المدينة العتيقة توافداً لمئات الشباب الباحثين عن عمل، وبات بعضهم يساهم في الفوضى، ما دفع بسكان المدينة إلى الانتقال للعيش في مناطق أخرى". 

أما منير أحد السكان المدينة العتيقة، فيشير بدوره إلى أن "اكتظاظ المدينة خلق مشاكل عدة، جعلت البعض يختار ترك المدينة". يضيف: "عدا ذلك، شهدت غالبية الحرف والصناعات اليدوية تراجعاً كبيراً نتيجة ما تمر به البلاد من أزمات، دفعت البعض إلى ممارسة أعمال يدوية أخرى كالعمل في البناء أو الأعمال الحرة وغيرها". 

بموازاة ذلك، يُشير سكان المنطقة بغالبيتهم إلى أن تلك المباني لم تعد تنفع للسكن. وبما أن الترميم مكلف ويفوق قدرة المواطنين، فضل البعض الانتقال للعيش في مساكن جديدة، في ظل عدم القدرة أيضاً على هدم تلك البيوت التي شيدت فوق دكاكين عدد كبير من الحرفيين والتجار وصغار الصناعيين. 

من جهته، يشير صالح بوعزيز وهو أيضاً من السكان، إلى أن "بيوتاً عديدة هجرها سكانها خشية سقوطها، في ظل عجزهم عن هدمها بسبب ضيق الشوارع وصعوبة دخول الجرافات، بالإضافة إلى رغبتهم في الحفاظ على محالهم، تحوّلت إلى ملاجئ للمشردين. وكثرت شكاوى السكان وأصحاب المحال المجاورة لهذه المباني خلال الآونة الأخيرة. ويخشى هؤلاء من التعرّض للمضايقات وغيرها، خصوصاً مع غياب المتابعة الدورية من قبل المصالح البلدية والأمنية. ويشدّد بو عزيز على ضرورة أن تتحمل السلطات المحلية المسؤولية، وهدم البيوت الآيلة للسقوط أو ترميمها. 

وكانت وزارة أملاك الدولة قد اتكلت على المواطنين لترميم بيوتهم أو هدمها، خصوصاً أن الدولة غير قادرة اليوم على توفير اعتمادات مالية هامة للقيام بعمليات الترميم أو الهدم. وتعمل الحكومة، بهدف الحفاظ على التراث وبعض المباني المصنفة ضمن المباني الأثرية، على ترميمها من خلال تخصيص اعتمادات. 

في هذا السياق، يشير مدير مراقبة البناء في الإدارة العامة للجماعات المحلية العامة كمال القومري، إلى ضرورة تحمّل المصالح البلدية مسؤولية الترميم، في حال عدم التزام المالك بالمهلة المحددة، وذلك بهدف ضمان سلامة المواطنين، على أن يتحمل المالك المصاريف في وقت لاحق. لكن ذلك يعد صعباً بسبب عدم وجود إمكانات كافية لترميم عدد كبير من تلك المباني أو هدمها. 

وتجدر الإشارة إلى أن القانون رقم 77 الصادر عام 2004، والمتعلق بالصندوق الوطني لتحسين المسكن، ينص على أنه عادة ما تنتفع منه جميع الأطراف من مالكين وجماعات محلية ومؤسسات ومتخصصين في أعمال الترميم. كذلك، ينص الفصل الأول من القانون على تمويل عمليات الصيانة والترميم التي يتولاها المالكون، وتمويل أعمال الترميم التي تتولاها الجماعات المحلية، وتوفير مرافق ضرورية لمبانٍ معدة أساساً للسكن، بالنيابة عن أصحابها وعلى نفقتهم، بالإضافة إلى أعمال هدم المباني المهددة بالسقوط درءاً للخطر وإزالة أنقاضها، وذلك في إطار برنامج مصادق عليه، فضلاً عن الأشغال الهادفة إلى تحسين ظروف سكن المواطنين والمحيط العمراني الذي يعيشون فيه. 

أما مشروع قانون عام 2010، فقد نص على إلزام أصحاب البيوت الآيلة للسقوط بترميمها أو هدمها خوفاً على حياة المواطنين، لكن لم يبحث فيه

"صانع الأحذية" ينقرض في تونس



في دكانه المتواضع حيث يعمل منذ أكثر من 40 عاماً، كان العم أحمد يدقّ المسامير بيد مرتعشة على قطعة من الجلد وقد وضعها في قالب لصنع حذاء رجالي. يردّ على محدّثه من دون أن يرفع نظره، حتى لا يفقد ذلك المسمار الصغير الذي يمسك به بين أصابعه، ويخبر أنّ "صناعة الأحذية في تونس تراجعت بشكل كبير، خصوصاً في السنوات الأخيرة". يضيف: "لم يعد أحد يقبل على تعلّم هذه المهنة، بعدما باتت منتجاتها تشكو من كساد كبير من جرّاء التهريب. وبالفعل، ترك آلاف العمال والحرفيين الذين يعملون في صناعة الأحذية، مهنتهم هذه قبل سنوات" 
 
"صانع الأحذية" ينقرض في تونس


في دكانه الصغير الواقع وسط المدينة العتيقة، يبدأ العم أحمد العيادي عمله عند السادسة صباحاً. يصنع الأحذية بجميع أصنافها ومقاساتها، ليبيعها لاحقاً إلى التجار في الجوار أو إلى آخرين في مدن أخرى مختلفة. هو من القليلين الذين تمسكوا بصناعة الأحذية اليدوية، على الرغم من تراجع أرباحها المادية من جرّاء التجارة الموازية  

يُعدّ قطاع صناعة الجلود والأحذية في تونس من أهم الصناعات اليدوية التي كانت تشغّل أكثر من 50 ألف عامل، استقروا في الأساس في المدن العتيقة في المحافظات الكبرى لتونس من قبيل العاصمة وصفاقس ونابل. وهؤلاء كانوا يصنعون الأحذية بمعدات بسيطة يدوية. أما اليوم، فقد تراجع عددهم ولم يعد يتعدّى العشرة آلاف حرفي. الآخرون هجروا المهنة بعد تراجع مبيعاتهم، بسبب منافسة البضائع المهرّبة في السوق الموازية  

إذا ما قصدت محلات صناعة الأحذية في تونس، تجد أنّها تحوّلت بأكثرها إلى محلات لبيع المأكولات الخفيفة أو لبيع الملابس والألعاب. لكنّ بعضها بقي كما كان، بجدرانه القديمة والمواد البسيطة المستخدمة، فيما يتوسّط المحل صاحبه الذي يعلّم بعض الشباب الحرفة. ثمّة محاولات للحفاظ على مهنة كانت تؤمّن للتجار أرباحاً مالية لا بأس بها، خصوصاً وأنّ بعضهم كان يبيع سلعه في مختلف أنحاء البلاد وحتى في الجزائر وليبيا 

مختار المسعودي هو أيضاً حرفيّ يعمل في صناعة الأحذية منذ 18 عاماً. لكنّه، اليوم، سئم هذه المهنة التي لم تعد تساعده على تأمين مصاريف عائلته، بعد انتشار السلع المشابهة لسلعه في السوق. يخبر مختار: "قبل عشرة أعوام، كنت أعمل طيلة العام وأشغل عشرات الشباب معي. لكن منذ ثمانية أعوام، بات العمل يقتصر فقط على فترة الصيف مع بعض حرفيين آخرين". يضيف أن "عديدين يعملون في ما تبقى من العام، في مهن يومية أخرى كقيادة سيارة أجرة أو البناء أو تجارة الخضراوات أو العمل في المقاهي. هكذا تغلق المحال لأشهر". أما آخرون فقد تخلّوا عن المهنة نهائياً"  

ويعود ذلك وفق ما أشار إليه أكثر الحرفيين، إلى ارتفاع التجارة الموازية خصوصاً المستوردة من شرق آسيا وتحديداً من الصين، بالإضافة إلى التهريب وإقبال التونسيين على البضائع المهرّبة لأنّها تباع بأسعار متدنية بالمقارنة مع البضاعة التونسية. 

ويؤكّد محسن ميساوي، وهو صاحب محلّ صغير لصناعة الأحذية منذ 15 عاماً، أنّ كثيرين من أصحاب المهنة انقطعوا عنها بينما يعمل آخرون فيها فقط خلال أشهر الصيف. ويشير إلى أنّ "البضائع كانت قد احتجزت في الموانئ في عام 2011 بسبب أحداث الثورة والخوف من إدخال الأسلحة إلى البلاد. وقد تمكنا في تلك الفترة من العمل طيلة عام كامل وتشغيل مئات الشباب نظراً لحاجة السوق. خلنا أنّ الثورة قضت على السوق الموازية، لكن سرعان ما عاد الأمر إلى ما كان عليه وغرقت السوق بالبضائع المهربة. وراحت أعمالنا تشهد كساداً كبيراً وإفلاس عديد من الحرفيين الذين اضطروا إلى بيع محلاتهم". 

ويقول ميساوي، إن تراجع صناعة الأحذية من جرّاء التهريب، أدّى في المقابل إلى إغلاق مصانع عدّة للجلود وإلى صرف آلاف العمال، على الرغم من أنّ البضاعة المستوردة لا تتطابق مع المواصفات العالمية، لا من الناحية الإنتاجية ولا من الناحية الصحية. ويؤكد أنّ أرباب التهريب هم السبب المباشر في تدمير قطاع الجلود والأحذية، مضيفاً أنّ في مايو/ أيار 2014، تمّ استيراد أكثر من 11 مليون زوج أحذية، لتزداد بذلك الأوضاع سوءاً ويتضرر آلاف العمال الذين أصبحوا، اليوم، عاطلين عن العمل. 

تجدر الإشارة إلى أنّ تدهور أوضاع الحرفيين دفعهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية عدّة في ساحة الحكومة بالقصبة، مطالبين بوقف التهريب وانتشار البضائع في الأسواق الموازية. وقد شدّد في خلالها رئيس غرفة صانعي الأحذية، محمد ذويب، وهو صاحب مصنع للأحذية، على ضرورة اتخاذ قرارات جدية وعاجلة للتصدي لآفة التهريب العشوائي الذي يهدد آلاف العمال ويحيلهم إلى البطالة.

vendredi 19 janvier 2018

خريطة تونس الحقيقية



خريطة تونس الحقيقية..خريطة تونس المعروفة بافريقية واللي على خاطرها تسمات باسمها قارة كاملة..هذي آخر خريطة في عهد حمودة باشا ، أيام كان التونسيون يحاربون في جزيرة القرم ،يوم كانت تونس توفر العلماء والسلاح والعتاد ...ايام كانت القوافل والسفن التجارية تصل إلى اﻷسكندرية والعراق والشام وكانل سواحل البخر المتوسط...تونس كانت كانت قبلة العرب من المغرب الى المصر لطلب العلم 

يوم كان الشعب التونسي مسلح وحربي بامتياز اب عن جد من ايام حنبعل ،يوم كان التونسيون يربون السباع والأسود في المنازل ...يومها كانت رياضة مبارزة الرجل التونسي لﻷسود من اشهر الرياضات والمواهب وقصر الجم يشهد على ذلك ..فقد كانت تقام مقابلات الرجال التونسيين باﻷسود  




يوم كانت تونس تفرض قانون المعاملة بالمثل مع أمريكا ...نعم كانت تونس دولة مهابة من القاصي والداني 
نعم يوم كانت تونس دولة لكل ما في الكلمة من معنى وأبعاد قبل أن تطأها أرجل الفرنسين النجسة..والتي قامت بتقسيم تونس هي و ايطاليا وقوى امبريالية خسيسة بين الجزائر وليبيا لغاية في نفس يعقوب وخدمة ﻷجندا استعمارية .. ومع اﻷسف قبل بها عملائها والقوادة متاعهم واتباعها من أجل الصعود الى سدة الحكم وطمعا في الكراسي والمال والجاه.

ويترك لنا بعد خروجهم اي الفرنسيين شرذمة وحثالة فرنكوفونية من أشباه البشر نعاني منها إلى يومنا هذا والتي لاتريد لتونس العودة الى ماكانت عليه من عزة وقوة خاصة من امتداد جغرافي المتمثل في اﻷراضي الغنية بالموارد الطبيعية  استعفرالله ياربي ..والله لا اعترض على قضائك ولا على حكمك..تمنيت من القهر والحزن و من الغلب ان اعيش في عهد اللي كانت تونس دولة بالفم المليان..عهد حمودة باشا وخيرالدين باشا وعلاش لا عهد ابن خلدون وعهد الرجال والعلماء والعظماء

 .مليت عيشة الذل والهوان واﻹستعمار و الضعف والتخلف والتقهقر وعهد الهزايم وعهد الفضايح والرخص والبخس وعهد الليبي والدزيري اللي يتطاول في على التونسي ويقولو يا تونسي انا نجيك لتونس نشريك بفلوسي وكان موش انا راك مت بالجوع عهد اللي التونسي يلحس فيه لسواح فقراء ومنتفة من فرنسا وانقلترا وألمانيا. .مليت نشوف تونس بلاد الخير والعز فيها عايلات من عهد اﻹستعمار عهي الوحيدة 
العايشة والباقي اي اغلب الشعب عايش تحت الصباط والباقي معدي عمرو كيغي سلاطة في الغربة من بلاد لبلاد ومحروم من نسمة بلادو وخير بلادو وعز بلادو...فهمتو توه 
علاش تسمات قارة كاملة باسم بلادنا؟

المدن التّونسيّة في الرّحلات والمراسلات الأجنبيّة: تونس





«ذات ربيع، منذ ثلاث سنوات خلت، كان مجيئنا إلى تونس رائعا. كانت وما زالت مدينة كلاسيكية جميلة، رغم تشوهها بالشوارع الكبرى التي تخترقها، مدينة متسقة ومتناغمة. بيوتها البيضاء تبدو كأنها مضاءة في الليل بحميمية، مثل فوانيس مرمرية 
ما إن غادرنا الميناء الفرنسي، لم نعد نرى شجرة واحدة. بحثنا عن الظل في الأسواق، كل الأسواق الكبيرة المقببة أو المغطاة بالقصدير والخشب، لا يخترقها إلا ضوء منعكس يكللها بجو خاص.
تكشف هذه الأسواق التحت أرضية عن مدينة ثانية داخل المدينة، شاسعة كما لو أنها تكون ثلث تونس.
لا نرى من فوق السطح، حيث ذهب «ب .ل» ليرسم، حدود البحر، باستثناء درج أسطح بيضاء تقطعها ساحات تشبه حفرا يتوارى فيها ضجر النساء. في الليل يصبح اللون الأبيض بنفسجيا، والسماء تصبح بلون هو مزيج من الوردي والأخضر. وفي الصباح يصبح الأبيض ورديا في سماء بلون بنفسجي خفيف. لكن بعد أمطار فصل الشتاء، تنبت أعشاب في الحيطان، يغطيها زبد أخضر فتظهر حواف الأسطح مثل سلة أزهار.
لقد تأسفت على تونس البيضاء، الجدية، الكلاسيكية في فصل الربيع، التي تدفعني إلى التفكير، في الليل، وأنا أتجول في شوارعها المنظمة. في «هيلين» يتجول فاوست الثاني في ممر مقبرة، و»الفانوس الزجاجي في اليد 
يغرسون أشجارا في الشوارع الواسعة وفي الساحات. ستزداد تونس جمالا، لكن لا شيء يمكن أن يشوهها. منذ سنتين كان نهج «المرّ» وبطحاء «الغنم» مجهولي الوجهة، ولم يكن للشرق الأقصى وإفريقيا الأكثر سرية، كما أعتقد، أي طعم غريب أو مذهل. شكل من الحياة مختلف حيث كل شيء ينجز في الخارج، حياة جدّ ممتلئة، قديمة، كلاسيكية، ثابتة. ليس هناك أية تسوية بين حضارات الشرق وحضارتنا التي تبدو بشعة، خصوصا عندما تروم الإصلاح.
بدأت الصفائح الحديدية وقطع الزنك تعوض شيئا فشيئا سياجات القصب وأسقف الأسواق. المرايا العاكسة توزع بإزعاج الضوء على الحيطان حيث بدأ ينتشر منذ قليل نور الليالي. على بطحاء «الغنم» الكبيرة، التي بلا أرصفة، ساحة صامتة، رائعة، حيث منذ سنتين، كان يأتي العرب للنوم قرب قطيع الجمال في دفء الليالي المقمرة. لقد رصفوا الأسواق. في واحد من أجمل الممرات مدفونة قاعدة الأعمدة التي تسند القبة. جذوع الأعمدة الخضراء والحمراء لها تاج صلب ودقيق. القبة مصبوغة بالجير الأبيض، لكنه بالكاد يبدو ناصعا، وحتى في الأيام المشرقة، تبدو تلك الأسواق دائما نصف مظلمة.
جميل مدخل الأسواق، لا أتحدث عن رواق المسجد، بل عن المدخل الآخر، الضيق والمنزوي، المسقوف بشجر العناب المائل، فيشكل بذلك مدخلا ظليلا بممر صغير مظلم ينعطف انعطافة صغيرة، فيغيب عن ناظرنا. لكن شجرة العناب، المغطاة بالأوراق في الخريف، لا تكون مغطاة في الربيع. هذه هي بداية سوق السرّاجين. الممر ينعطف، ثم يستمر إلى ما لا نهاية.
في سوق العطارين، يجلس «صدوق عنون» دائما في دكانه الصغير الذي يشبه مأوى الكلب، بسقيفة ذات متكإ مرتفع، ومزدحمة بالقوارير. لكن العطور التي يبيعها اليوم مزيفة. أعطيت لـ «ب.ف» عند وصولي إلى باريس، آخر قارورتين حقيقيتين، رأيت صدوق عنون يملأها بنفسه بمستخلص التفاح والعنبر النفيس، قطرة، قطرة، بواسطة أنبوب. وهو اليوم لا يحيطها بدقة، وهي نصف مملوءة بسلعة أكثر شيوعا، بشمع بكر وبخيط أبيض، كما أنه لا يبيعها لي بثمن مرتفع. منذ ثلاث سنوات ودقّته تبهرنا.
فهي تعطي قيمة للأشياء. كلما أضاف كيسا أصبح ذلك العطر نادرا. وفي الأخير نضطر إلى إيقافه، فمالنا لا يكفينا.
لقد بحثت فعلا عن هذا المقهى المعتّم، حيث لا يجيء إلا الزنوج السودان العجّز. بعضهم له أذن مبتورة علامة على أنه عبد. معظمهم يحمل، وعمامته تغطي لدغة، باقة صغيرة من الورود البيضاء والياسمين الأرج . تشكل تلك الباقة مع الخد خصلة شعر رومانسية تعطي لمحيّاهم تعبيرا شهوانيا فاترا. إنهم يحبون عطر الورود إلى درجة أنهم أحيانا يدخلونه في أنوفهم على شكل تويجات مفروكة، دون أن يكون ذلك بمحض رغبتهم .
في هذا المقهى كان أحد الرجلين يغني والآخر يقص الحكايات، وحمامات تطير وتحط على أكتافهما. 
تونس، في 7 مارس.
أطفال صغار يشاهدون ذلك، يضحكون ويرددون إيماءات الكاراكوز البذيئة،إنها رياضة ذهنية صعبة : أن يمرّنوا أنفسهم إلى أن يصبح ذلك أمرا طبيعيا ... جمهور من الأطفال، لا أحد غير الأطفال، أغلبهم صغار، فيما يفكرون ؟
الفرنسيون لا يذهبون إلى هناك. لا يعرفون الذهاب. دكاكين صغيرة لا طابع لها، نتسلل إليها عبر باب واطئ. الفرنسيون يذهبون بانتظام إلى بعض الأمكنة الفاخرة في الجوار، والتي لا تجلب إلا السياح بسبب بذخها. العرب يعرفون ماذا يفعلون. إنها أشياء بسيطة. فهذا حصان من كرتون، يرقص. وهذا جمل من خشب وقماش، يرقص أيضا، وهو أمر مضحك بكل تأكيد، لكن بطريقة سوقية. قريبا من هنا يقع محل اسمه كاراكوز، تقليدي، كلاسيكي، بسيط، لا وجود لدكان أبسط منه، يخلق تعاقدا مسرحيا رائعا، حيث يختبئ كاراكوز في وسط الخشبة بين حارسيْن يبحثان عنه، فهو لا يراهما لأنه مطأطأ الرأس، والأطفال يقبلون ذلك، يفهمونه ويضحكون .
كاراكوز، عبارة عن قاعة مستطيلة، حانوت صغير أثناء النهار، وفي الليل ينعم بالنشاط. خشبة صغيرة بستارة من القماش الشفاف تقع في مؤخرة القاعة لأجل إحداث الظلال. مقعدان طويلان على طول الجدران، هذه هي مقاعد الامتياز. يمتلئ وسط القاعة بأطفال صغار يقتعدون الأرض ويتدافعون. كنا نأكل كمية من حبوب البطيخ المجففة في الملح، وقطعة حلوى لذيذة إلى درجة أنه في كل ليلة لا شيء يبقى منها في جيبي، وفي الصباح أملأه بفلسيْن، لقد كنت أيضا أعطي منها للأطفال .
الممتع هنا، هو هذه الأعشاش التي في الحائط، وهي نوع من الأسرّة غير المريحة، أعشاش سنونو البحر، لا نستطيع الوصول إليها إلا باستعمال قوة اليدين، ومن حيث لا نستطيع النزول -يمكن أن نسقط منها- لا تكترى إلا لليلة كاملة لهواة سباق الثيران الشبان .
إلى هنا جئت عدة ليال، الجمهور هو نفسه تقريبا، في نفس الساحة، ينصت للعروض ذاتها، ويضحك في نفس المواضع، مثلي أنا. كاراكوز، دكان آخر، مجموعة من السودان، أين هم السودان؟ العرب لا يذهبون بطيب خاطر، إذن، هنا لا نرى إلا السود، لكني في هذه الليلة التقيت بصديقي « ر «.
لم يبدأ العرض بعد، (فترات الاستراحة هي دائما أطول بكثير من العرض لأن هذا الأخير لا يستغرق سوى ربع ساعة) أحد الزنوج يهز حيّات من نوع ذات الأجراس فيما آخر يضرب على طبل مستطيل، أما الثالث، الضخم، فيهتز ويتململ أمام «ر» وهو جالس أمام قدمينا تقريبا. كان يغني ويرتجل أغنية مأساوية مملة قيل فيها، حسبما فهمت، إنه فقير جدا، فيما « ر « غني جدا، والزنوج هم دائما في حاجة إلى المال. ولأنه كان عنيفا شيئا ما، ولأن العرب يدعون أنه لا ينبغي الوثوق في الجمل والزنجي والصحراء، فلم نتوان عن أن نصبح متصدقين .
كاراكوز، دكاكين أخرى،هنا يصبح العرض ذريعة لضرب المواعيد. دائما نفس الذين يقدمون العروض، من ليلة إلى ليلة، تحت عين رئيسهم العطوف، نتحلق حول طفل له جمال غريب يعزف على «المزود». الآخرون يتغزلون به . واحد آخر يضرب على طبل غريب له شكل مزهرية، قاعه مصنوع من جلد الحمار. الذي يعزف على المزود، يجمع المال في المقهى، يبتسم للجميع دون أن يعطي الامتياز لأحد. بعضهم ينشده أبيات شعر ويغنيها، فيجيب عليها، ويقترب. لكن كل ذلك ينحصر، كما أعتقد، في بعض الإطراءات أمام الكل. هذا الدكان ليس مكانا قذرا،بل هو ساحة للحب، أحيانا ينهض أحدهم ويرقص، أحيانا اثنان، يصبح الرقص إذن نوعا من الإيماء الحر. 
يكاد العرض في الخارج، كما هو الأمر هنا، أن يكون دائما مخلاّ بالحياء. أريد أن أعرف تاريخ كاراكوز، لا بد أنه قديم جدا. قيل لي إنه ينحدر من «إسطنبول»، وأنه في كل مكان في القسطنطينية وتونس تمنع الشرطة الصعود فوق خشبات العرض، إلا في شهر رمضان. يستمر الصيام طيلة ثلاثين يوما من طلوع الشمس إلى غروبها. صوم مطلق، لا أكل، لا شرب، لا تدخين، لا عطور، لا نساء. بكل دلالات حرمان النفس طوال النهار، فيما يأخذ الليل شكل الانتقام، حيث يتم الترويح عن النفس بأقصى قدر ممكن. وبكل تأكيد هناك أيضا عرب متدينون جدا، يقضون ليل رمضان، بعد تناول وجبة زهيدة، في التأمل والصلاة. كما أن هناك أيضا من يستمرون في اللهو طوال النهار، لكن ذلك لا يحدث إلا في المدن الكبيرة التي يعتبرون فيها المسيحيين قليلي الأخلاق . العرب في أغلبيتهم يمارسون شعائرهم الدينية بدقة. 
رحلة ... ، ص11-15

مكونات الغرفة التونسية قديما




 

 

المقصورة و الدكانة




"المجلس" ذي المرفع المزركش بالألوان الزاهية والمحاط بالمرايا أو ما يطلق عليه بـ"العلجية" في أكثر من زاوية والتحف والمعلقات على الجدران وما ندر من مستلزمات الزينة. كما تحتوي الغرفة على "الخزنة" وهي عبارة عن دولاب حديدي صعب رفعه يخفون فيه ما غلا ثمنه وعلت قيمته من جواهر وحلي ووثائق ومخطوطات


سقيفة 


تفتح السقيفة على فناء يتوسط البيوت ويضمّ جانبًا علويًا يطلق عليه "الدويرية"، ويضم المطبخ والفناء فضلًا عن المخزن وبيت الخدم، ولعل ما يميز الدار تلك الجمالية في التزويق والنقش عبر أذواق متمازجة، أندلسية ومغربية وعثمانية وإيطالية أيضًا


حوض من الرخام في الحمّام الموجود في غرفة "راس الدار" المخصصة للزوجين




ومن بين الألبسة والأثاث في الغرفة، نجد أنواعًا من ثياب العروس فالعائلات الميسورة تحتفظ بكسوتها التي تعتبر ثروة باعتبار مخيطها بالفضة والذهب

ومن ميزات هذه الغرفة أن بها حمامًا على شاكلة البناءات الحديثة يضم حوضًا كبيرًا من الرخام وقنوات لمده بالماء الساخن ينزل من الطابق العلوي وتتم عملية التسخين بخزان يشتغل بالفحم. ويضم الحمام كل المستلزمات كـ"القبقاب اللوح" و"القبقاب الفضي" و"الطفالة" و"الفلاية" و"الصابون التقليدي" والعطور وأدوات عتيقة للحلاقة




الطابق الأول من "دار الصيد" وهو عبارة عن فناء أصغر في الجزء العلوي ويضم "الماجل" الذي تخزن فيه مياه الأمطار وبجواره آلة تسخين الماء بالفحم. وتعلّق على الجدار "الفتاشة"، وهي آلة حديدية لرفع الحاويات التي تسقط في البئر. كما وضعت في الفناء الصغير بعض الجرار التي تخزن فيها الحبوب والزيت والمخزون السنوي من "العولة

ويضم المطبح كوانين تشتعل بالفحم وهي مشيدة في الجدار ويطلق عليها "الوجق" وتوضع عليها كافة أنواع القدور. كما وجدنا بالمطبخ أنواعًا عديدة من الخزفيات تختلف أحجامها وأشكالها حسب طبيعة الاستعمال ومنها "العجان"، و"الزير"، و"الغراف"، و"الكسكاس"، و"التبسي" و"الخوافيكما نجد جميع أنواع القدور النحاسية سواء كبيرة الحجم المستعملة في الطهي في المناسبات والأعياد أو صغيرة الحجم المستعملة في الأيام العادية ومن بينها "الحلّة" و"النحاسة الكبيرة


أواني من النحاس والخزف في مطبخ "دار الصيد"







لفناء الذي تتحلق به غرف ثلاث ورواق، كانت البيوت تتحلى بزينة من حجر "الكذال" المنقوش بعدة رسومات من أهلة ونجوم ثمانية وسداسية فيما تعتلي إحدى البيوت بوصلة حجرية. وكانت تسمي الغرف حسب وجهتها فمنها الجبلية والأخرى الشرقية والثالثة الغربية وذلك حسب حركة الظل



رسوم الأسماك والديكة على اللوحات وهي ذات دلالة أسطورية لدرء الحسد والشرور عن البيت، كما يتم تعليق المرآة على الجدران في أكثر من مكان ويطلق عليها "العلجية" حتى تتحلى المرأة بجمالها وتتزين لزوجها




 الثياب في الدواليب الخشبية أو ما يطلق عليه "بالقلص" البرنوس الأبيض والرمادي والبنيّ "الأشخم"، كما نجد من ملابس الزوجة "الحايك" الأسود والأبيض و"السفساري" و"فراشية الصوف". وتتجهز الغرفة بزربية "علوشة"، وهي الزربية القيروانية الصنع، وستائر من الحرير الأحمر القاني توضع خلف الإطار الخشبي المحيط "بالسدّة" لتفصل بين السرير وباقي الغرفة عند النوم.

وفي "المجلس"، توجد ثلاثة أرائك وساعة جدارية ضخمة تتوسط الحائط وعلى "المرفع" الخشبي توضع قوارير العطور ومرش "الزهر" و "العطرشية". وما استرعى انتباهنا وجود ستائر عليها نقائش غربية تعود إلى القرون الوسطى ذات دلالات دينية مسيحية كما لاحظنا رسومات لنجمة سداسية في أكثر من مكان

ويقيم الولد في المقصورة الثانية من نفس الغرفة وهي مقصورة مجهزة بدولاب خشبي و"فرش حجامي"، ونجد من الألبسة "الجبة" و"الكبوس" و"البلغة". وتحتفظ الزوجة الثانية بـ"الدوح" و"مقعد" الصغير ولوازم الطفل دون العشر سنوات باعتبار أنه يغادر الغرفة عندما يصير مميزًا فيستقل ببيت له في المنزل خارج هذه الغرفة



"السدة" وهي بناء عالي من الإسمنت على يمين الغرفة ويسارها مزدان ومزركش بإطار خشبي يطلق عليه "السرير الحجامي"، فيما يحلّ في جوف الغرفة "المجلس"








تونس.. غَنَج المدينة



إن وصفتُها بالفاتنة فهو تجسيد بارد، وإن نعتُّها بالساحرة فهو احتمال وارد، ولو كان الخيال جزءًا مختبئًا من عالَم الحقيقة فقد يتجلَّى على هيئة مدينة تتَّخِذُ من صخب الحضارة وهدوء التاريخ أروع سمفونية يمكن للقلوب أن تتراقص حولها .. هكذا يمكن لي أن أختصر جولتي في مدينة تونس العاصمة 
على امتداد شارع الحبيب بورقبية الذي يتناهى عند فوَّارةٍ مائيَّة تتوسطها مَسَلَّة تُعرف بين التونسيين باسم “المُنقالة” وهي أحد معالم العاصمة التي يلتقي عندها الناس ويتواعد قرب مياهها الأصدقاء والعاشقون؛ هذا الشارع الذي يعُجُّ بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى تتوزَّع على جانبيه المقاهي والمطاعم والفنادق الفاخرة، ويتزيَّن في الجهة المقابلة للمنقالة بتمثال الإمام المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون رحمه الله، وعلى يمينه مبنى المسرح البلدي وعن يساره كنيسة القدِّيس فانسان دو بول (Saint-Vincent-de-Paul) 

شارع الحبيب بورقيبة

وإذا تركنا وراءنا ابن خلدون الشامخ يكتب للناس فصولا من مقدِّمة “ديوان المبتدأ والخبر” سنجد أنفُسنا أمام قوس “باب البحر”، حيث تتضايق الأزقة وتتعالى أصوات المارَّة وأصحاب سيارات الأجرة الذين سوف يُقِلُّونك إلى كثير من الوجهات ومن بينها بعض ولايات الشرق الجزائري مثل عنابة وسطيف، نحن الآن على بعد خطوات من المدينة العتيقة .. القصبة .. أين تتشنَّف الأسماع بموسيقى الشرق الجميلة، ونغمات تونس القديمة التي حفظنا كثيرا منها عبر إذاعاتنا وشاشة التلفزيون الجزائري قديمًا، هنا سوق الشوَّاشين صانعي الشاشية التونسية الحمراء، والتي نجدها زِينة على رؤوس الأشياخ هنالك 


نحن هنا لسنا بعيدين عن جدار جامع الزيتونة العظيم، حين تدخل باحة هذا الجامع التاريخي سيُداخلك شعورٌ باهر بأنك فعلًا تقضي لحظاتٍ من أيام الزمن الجميل، جامع الزيتونة ليس مكانًا للتعبُّد فحسبُ.. بل قد رصَّع على جبين تاريخنا نجوم العلم والدِّين والجهاد ضد الاحتلال الفرنسي، فهنا دَرَس ودرَّس الإمام المفسِّر المجدد الطاهر ابن عاشور (1879 – 1973) صاحب أحد أعظم الكتب في تفسير القرآن المسمَّى بـ”التحرير والتنوير”، وهنا قبَس علماء الجزائر الذين أسَّسوا فيما بعد “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” كالإمام ابن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي وغيرهما، وهنا ألفيْنا الشيخ محمد الخضر حسين (1876 – 1958) ينهل من ينابيع العلم والحكمة ليتولى مشيخة الأزهر في مصر لاحقا بين سنتي (1952 – 1954 

جامع الزيتونة

حين تنسَلُّ من بين ثنايا التاريخ الذي تحتضنه تلك المدينة القديمة؛ ستجد نفسك أمام مدينة عصرية بكل المقاييس، وبين القديم والعصريِّ يجد السائح أنه ليس غريبًا في تلك البلاد، الاحتفاء التونسي بضيوف الخضراء ليس له مثيلٌ، كثيرٌ من الحبِّ والترحيب يجعلانك تغيِّر برنامج سَفَريَّتك لتزيد يومًا وثانيًا وثالثًا حتى تتورَّط في حبِّ إحدى الجميلات هنالك أو في التسكُّع بين شوارع مدينة “سيدي بوسعيد” التي هي قطعة حقيقية من الأندلس، في هذه المدينة البيضاء يُشِعُّ بين يديك نورُ الأَزِقَّة القرطبية والقصور الغرناطية، هنا تستعيد حضارةَ الحبِّ لتعيشها بنفسك دون حاجةٍ للسينما، في “سيدي بوسعيد” كلُّ شيءٍ تقليديٌّ بامتياز: ماء وليِّها الصالح، محلَّاتها، مقاهيها ومطاعمها، عيون الأطفال هنالك تحكي للقلب كلَّ جميل، برانيس الأشياخ تعطيك من دفء أمجادنا ما يُعفيك عن مآسينا اليومَ .. جولةٌ في مدينة الولي الصالح هي طهارة روحانية للقلب من أسقامه 

مدينة سيدي بوسعيد

حين كنت أتجول مع صديقتي بين ضفاف الغروب قلت لها: لا شكَّ أني لو بقيتُ هنا (في مدينة سيدي بوسعيد) سوف أكتب رواية، فهذه المدينة المُلْهمة أخشى أن تُغريَني بالمكوث لأجد نفسي محمَّلًا بأضابير الأوراق متغزِّلًا بها أو راويًا لقصة عشقٍ أتخيَّلها تجري هنالك عند الأبواب الزرقاء، فالحُبُّ هنا إما قصيدة أو رواية.
لا أدري ماذا يجب أن أكتبه عن تونس بالضبط، ولكن هناك ثلاثة أشياء لن تخفَى على أي زائر أو سائح ولأني أحمل معي قلبًا شاعرًا وقلمًا كاتبًا يصحبانني فقد شعرتُ بهذه الثلاث وكأنها لي دون الناس: حفاوة الاستقبال، التميز في الجمال، وسِحْرُ ذاك الدلال

الإجابة تونس.. هكذا رأى المصريون ثورة الياسمين

الذكرى السابعة للثورة التونسية.. ثورة قامت لتنجح وتستمر 


أحمد خليل- القاهرة – مجلة ميم
“الإجابة تونس” كلمتان خفيفتان على اللسان المصري شكلا جزءا  كبيرا من علاقة المصريين بثورة الياسمين في تونس، فعلى مدار السنوات السبع الماضية كانت العيون المصرية تتابع وترصد وتحلل مساراتها ثم تمصمص الشفاه بالعبارة التي تحمل إعجابا وغيرة وأماني بالسير على خطى التوانسة، بعد انحراف مسار 25 يناير أكثر من مرة دون عودة.
رغم شعور قطاع من الشعب التونسي بإخفاق ثورتهم التي أطلقتها شرارة البوعزيزي، لكن المصريين يرون أنها الفائزة الوحيدة من ثورات الربيع العربي، لأسباب عدة عزوها إلى الثقافة وحيادية الجيش ووعي حركة النهضة الإسلامية.
مع انطلاق احتفالات الذكرى السابعة لثورة الياسمين وتزامنها مع ثورة 25 يناير، ترصد “ميم” انطباعات عدد من المحللين والنشطاء المصريين عن مسارات الثورتين، ولماذا كانت الإجابة تونس؟

“التوانسة لم يتخلوا عن ثورتهم”

يقول المحلل السياسي مجدي حمدان، أحد قيادات جبهة الإنقاذ المدني، أن حلم ثوار يناير تحقق   
مجدي حمدان
وعزا حمدان ذلك إلى التداول السلمي للسلطة ومناخ الحريات والديمقراطية المتمثلة في المؤسسات المنفصلة التى تؤدي كل منها دورها في الإطار المشروع والمحدد لها في الدستور 
وتابع حمدان تصريحاته: “ثورة الياسمين نتج عنها برلمان صحي ومناخ صح ديمقراطي ودولة تتمتع باحترام العالم بكيانها القوي ولا أدل من ذلك.. شاهدناه جميعا في المشكلة الأخيرة بين الإمارات وتونس بسبب منع سفر التونسيات وتراجع الإمارات لأنها وضعت في اعتبارها أنها تتحدث مع دولة حرة شعبها يدير جمهوريتها 
ويعرج حمدان إلى ربط الأحداث المصرية بنظيرتها التونسية، قائلا: “في مصر الدولة تدار من قبل هيئة واحدة وسلطة واحدة وإعلام واحد واتجاة واحد من أجل رجل وحيد 
وزاد: “أرى أن ثورة الياسمين قامت لتنجح وتستمر حتي تحقق مطالبها، لأن ببساطة التوانسة لم يتخلوا عن ثورتهم وتصدوا بقوة لمن يريد التوغل على أحلامهم وتغييرها إلي كابوس عكس ماحدث عندنا في مصر”.

مجتمع مدني داعم للتحول الديمقراطي

بالنسبة للباحث في مركز الأهرام عمرو الشوبكي، فإن تجربة تونس سارت فى مسار مستقر منذ البداية فوضعت دستورها أولا ومعه قواعد قانونية فرضت على كل الأطراف أن تدخل المعادلة السياسية باعتبارها أحزابا وليس جماعات سرية.
عمرو الشوبكي
ورأى الشوبكي أن المجتمع التونسى، الذى تبلغ فيه نسبة الأمية 15%، (الثلث فى مصر)، ويوجد فيه تعليم حكومى عام هو الأفضل بين الدول العربية غير النفطية، كما تعتبر الطبقة الوسطى أكثر اتساعا من نظيرتها المصرية، كل ذلك جعل معظم أطياف المجتمع التونسى داعمة لعملية التحول الديمقراطى رغم التحديات والمصاعب 
ويشير إلى أن فلسفة النظام الديمقراطى تقوم على استيعاب كل الأطياف السياسية السلمية، التى تؤمن بالأسس التى يقوم عليها النظام القائم من دستور ودولة وطنية ونظام جمهورى، فقد دمج النظام التونسى فى العملية السياسية حزب النهضة كحزب سياسى مدنى وليس كجماعة سرية عقائدية 
لكن الأهم، بالنسبة إلى الشوبكي، فهو وجود قوى مدنية صلبة داخل المجتمع التونسى، وعلى رأسها الاتحاد التونسى للشغل، الذى اتخذ موقفا صلبا فى الدفاع عن الديمقراطية الوليدة وآمن بالنظام السياسى رغم معارضته للحكومة، واعتبر أن هناك قواعد ديمقراطية يجب أن تُحترم رغم تعاطفه مع المحتجين ومطالبهم 
ويرى الشوبكي أنه بالرغم من معاناة تونس من إرهاب خطير ومدمر تسبب في إضرار السياحة ضررا كبيرا، وتراجع اقتصادها ومعدلات نموها، لكنها صامدة حتى الآن وتدافع عن تجربتها 

 ثورة لم تسرق

يرفض الناشط السياسي حسام ربيع الإيمان بفكرة سرقة الثورة التونسية بسبب مجيء الباجي قائد السبسي رئيسا، باعتباره أحد رموز النظام القديم، كونه احتل السلطة بإرادة شعبية، دون وجود دعم من أجهزة أو سيطرة ديكتاتورية 
يقول ربيع: “الثورة التونسية فعلا ما اتسرقتش، والشعب اختار النظام ده بملئ إرادته من دون ما يكون هناك إعلام أحادي يصادر طرف على الآخر أو مؤسسات دولة تعمل لحزب أو لشخص واحد فقط دون الباقي 
وأوضح: “دليل ان الثورة التونسية ما اتسرقتش لاتوجد مامظاهرات كبرى ولا معتقلين سياسيين رفضوا انتخاب فلولي، بل حتى الصحافة الموالية لا تساند بالدرجة الغريبة مثل مصر، حتى الصحافيون لا بيشنوا حملات ضد النظام الذي وصل للحكم”.
ويربط بين السيسي والسبسس: “فعلا الرئيس القوي هو اللي كسب وان ما كانش في حد متوقع يسد قدام السيسي، بس كان في إعلام احادي ومؤسسات بتعتبره أن هو الرئيس من زمان، يمكن الاكتشاف ببساطة الفرق بين الاثنين بنظرة سطحية من توجه الصحافة والسجون بين تونس ومصر 
وتابع: “التونسيون فعلا اختاروا النظام بتاعهم باختيارهم وبحيادية ويقدروا يشيلوه بكره لو ما ماحققش اللي عاوزينه، أما عندنا الشعب اختارالنظام فعلا لكن بدون حيادية، ولو عوزنا نشيل النظام مش هينفع 

 القوات المسلحة تحمي الإرادة الشعبية

الثورة التونسية في عيون الباحث محمد حماد، أيقظت الشارع العربي على الرغم أنه من أنصار مقولة لا يوجد ربيع عربي إلا في تونس فقط ، فتونس رغم أنها صغيرة المساحة وقلة عدد سكانها ولكن طالما كانت مؤثرة في التاريخ والثقافة العربية ولديها قوي ناعمة خاصة ومتفردة.
محمد حماد
وقال حامد: ” تونس قادت قطار الإصلاح العربي بعد 2011، فاستطاع الشعب تونسي استرداد حقوقه السياسية والحريات وقيم حقوق الإنسان من قبضه الديكتاتور زين العابدين بن علي، كما استطاع إدارة المرحلة الانتقالية بشكل متمايز وفريد وتحمل متاعب الديمقراطية، وكذلك الحفاظ عن الديمقراطية الناشئة وانتزعت الاتحاد العام للشغل 
ويثمن حامد أيضا تحملها تباعات صعود تيارات الإسلام السياسي الحكم والإغتيالات السياسية التي ضربت تونس لاول مرة في العصر الحديث البراهمي وبلعيد نموذجا، حيث استطاع الجيش التونسي هزيمة الإرهاب في بن قردان 
ويشير حامد إلى دور المؤسسة العسكرية التي جمعت بين حماية الإرادة الشعبية ومكافحة الإرهاب، وهذا أمر جيد في ظل الديمقراطيات الناشئة وخاصة فريد من نوعه في ظل منطقة الشرق الأوسط المتقلبة بأحداث متغيرة دائما 

فتّش عن الدولة العميقة

يربط شريف الروبي، الناشط بحركة 6 إبريل، نجاح الثورة التونسية بتهميش دور الدولة العميقة، عكس ما حدث في مصر وعبثها بجميع مكتسبات 25 يناير 
شريف الروبي
يوضح الروبي الذي يعارض حكم الجيش والإخوان في مصر: ” الثقافة السياسية وعدم الاعتراف بالحوار والصوت الأحادي وعبث الدولة العميقة بكل مكتسباتنا من أسباب فشل الثورة المصرية، والابتعاد كثيرا عن الدولة المدنية المنشودة 
ويضيف: “الثورة التونسية هي الوحيدة التي نجحت في الربيع العربي، حتى مع انتخاب السبسي المحسوب على الدولة القديمة لم تنحرف عن المسار، فرغم الظروف الاقتصادية في تونس ليست أكثر صعوبة من مصر، لكن التونسيين أثبتوا تفضيلهم الحريات، والوعي السياسي عند التوانسة أفضل من المصريين بسبب التعليم والانفتاح على الثقافات الأجنبية، فالشعب التونسي يشبه كثيرا اللبناني في التعدد السياسي وقبول الآخر 
الدولة التونسية الجديدة الوليدة من رحم الثورة التونسية ستبقي رغم كل أزمات الإقليم، فأفضل ما تصدره لنا تونس الآن هو التمسك بقيم حقوق الإنسان الرئيسة التعبير وتكوين الأحزاب وحرية المجتمع المدني بالإضافة الي تداول السلطة والمسألة والمحاسبة والشفافية، يختم محمد حامد