un

astuces

Blogroll

mercredi 10 janvier 2018

أحمد بن أبي الضياف

يعد أحمد بن أبي الضياف مؤرخا وسياسيًا وهو من أنصار الوزير والمنظّر الحداثي "خير الدين"، وأحد الكتّاب الذين نظّرُوا للاصلاح السياسيّ، لكنّ مكانته الحقيقية تكمن في عمله بالبلاط الحسينيّ لدى عدد من البايات. وقد تسنّى له أثناء ذلك المشاركة في الأحداث الكبرى التي عاشتها البلاد، فكان سفيرا، ومستشارا، وكاتب سرّ، وكان خاصّة إخباريا ومؤرّخا بفضل ملاحظاته الشخصية، والوثائق الرسمية التي شارك في تحرير عددٍ منها.
ولئن عدّ "الاتحاف" أهمّ ما كتبه بوصفه مصدرا أساسا للتاريخ الحسينيّ وخاصّة فترات حكم أحمد باي ومحمّد باي ومحمّد الصادق باي، فللرجل إسهامات فقهيّة وفكريّة، وكتابات نثرية وشعرية، تجعل منه ممثّلا لثقافة عصره بتنوّع مجالاتها وكثرة أزماتها ووجوه الصراع فيها. وفي الجملة، لا يمكن الاستغناء عن دراسة ابن أبي الضياف لفهم ما عاشته البلاد التونسية منذ احتلال الجزائر (1830م) إلى انتفاضة ابن غذاهم (1864م)

يعود نسب أبي العبّاس أحمد بن أبي الضياف (بالضيّاف) بن عمر بن نصر بن محمّد بن سيدي أحمد الباهي العوني إلى "أولاد عون" وهي قبيلة حسينية مستقرّة بجهة "سليانة" بالشمال الغربيّ للبلاد التونسية. وجدّه الأعلى وليّ صالح يسمّى أحمد الباهي، كانت له زاوية شمال شرقيّ مدينة "سليانة"، على أميال منها، ولم يبق منها اليوم سوى بعض الحجارة والقبور. أمّا والده الحاج بالضياف فكان وجيها، مقرّبا للبلاط، فقد عمل كاتبا ل "قايد" قفصة المملوك عثمان، ثمّ لوزير حمّودة باشا صاحب الطابع. وقد استفاد من هذه المكانة ماديا ومعنويا، لكنه نكب إثر مصرع صاحب الطابع، واسترجع بعض مكانته فيما بعد.
وُلد ابن أبي الضياف سنة 1217هـ/1802 - 3م، وشاع في بعض الدراسات تاريخ آخر هو 1219 / 1804 - 5م تبعا لخطإ ورد في ترجمة له نشرت بعد وفاته ب"الرائد التونسي" ثمّ صححت بالتاريخ الذي ذكرنا. ويبدو أنّه ولد بتونس في منزل والده (والمرجّح أن يكون المعروف ب"دار سليم"، زنقة الحرب، نهج الزاوية البكرية بالحلفاوين. أمّا منزله المعروف باسمه، ويقع بنهج ابن أبي الضياف قرب باب السويقة فقد انتقلت إليه الأسرة تاليا). وحفظ الطفل القرآن في كتّاب الولّي الصالح أحمد بن عروس ثمّ تلقّى تعليما متنوّعا على خيرة مشايخ عصره: إسماعيل التميمي، وإبراهيم الرياحي، وعبد الرحمان الكامل، ومحمد البحري بن عبد الستّار، ومحمد بيرم الثالث، ومحمد بن الخوجة، ومحمد الأبي، ومحمد بن ملوكة، ومحمد المناعي. وقد كانت تلك الدروس تلقى بمدارس وجوامع مختلفة مثل جامع الزيتونة، وجامع صاحب الطابع، وهي بالأساس دروس في علوم الدين.
وكان أوّل اتّصال للشاب بالبلاط الحسيني، في عهد حسين باي، سنة 1242هـ/1827م، عندما سمّي كاتبا. وكان يشغل وظيفة عدل منذ سنة 1237هـ/1822م وبقي ابن أبي الضياف طيلة سبع وثلاثين سنة (إلى ما بعد انتفاضة 1864م) مقرّبا، يشغل وظائف مهمّة تدلّ على ثقة البايات فيه، ويكلّف بمهامّ خاصة. وقد كان في أغلب هذه المدّة كاتبا للسرّ مع بعض صلاحيات الباش كاتب، وكان يحضر المجالس المضيّقة والموسّعة المنعقدة بمناسبة الأحداث الكبرى، ويحرّر المكاتيب الرسمية، ويتّصل باسم الباي بأعضاء المجلس الشرعي، ويوفد في السفارات، واقترن اسمه خاصّة بتحرير "عهد الأمان" (1274هـ/1857م). على أنّ مكانته لم تكن متساوية لدى البايات الذين خدمهم، فقد قرّبه أحمد باي، في حين لم يكن محمد بايأو محمد الصادق باي مثلا يبوّئانه أولى المراتب. ويعود ذلك إلى اختلاف الحكّام في تقويم براعته في الكلام والكتابة، وروحه النقدية، وصراحته غير المألوفة.
خبا نجم ابن أبي الضياف إذن بالتدريج بداية من الأشهر الأخيرة من سنة 1864م، وابتعد عن البلاط، وكان يشكو حرمانه من وظيفة الباش كاتب التي تولاّها مكانه عبد العزيز بوعتورسنة 1277هـ/1861م، ولو أنّه كان قد تدرّج في سلّم المراتب إلى قمّتها فسمّي وزيرا، ونال رتبة أمير أمراء. ولعلّ تكليف خير الدين التونسي بمنصب الوزير الأكبر سنة 1873م قد أسعدابن أبي الضياف قبيل وفاته في 71 شعبان 1921هـ/92 أكتوبر 1874م. وقد كان طلب الاعفاء من الخدمة لتقدّمه في السنّ وعجزه، ولازم منزله متعبّدا ذاكرا. ودفن ابن أبي الضياففي موكب كبير حضره المشير الثالث محمد الصادق باي وكبراء الدولة بجامع صاحب الطابع. وقد تزوّج ابن أبي الضياف أربع مرّات: من ابنة خالة أبيه "خديجة"، وجاريتين أهداهما له أحمد باي "جوهرة الحبشية"، و"فاطمة العلجية"، وفي أواخر حياته "حليمة"، وأنجب من الثلاث الأوليات ابنين وثلاث بنات.
وكانت له في حياته صلات ودّ متين بخير الدين وجماعته تتجاوز حدود الاتّفاق الفكري، أو مجرّد الولاء، كما توطّدت علاقته بالشاعر محمد الباجي المسعودي (المتوفّى 1297هـ/1880م) بوجه خاص، وقد كان المسعودي يعتبره مثاله الأوّل في النثر والشعر، وقد رثاه بقصيدة شهيرة. وتحتاج علاقته الخاصّة بأحمد باي إلى تحليل، فهو لا يخدمه ويشعر بموالاته فحسب، بل إنّه قريب منه فكريا، يعامله معاملة الواثق من مكانته منه، ويتجرّأ على ما لا يجرؤ عليه غيره. وعاداه عدد من موظّفي الدولة منهم الباش كاتب محمد الأصرم(المتوفّى 1277هـ/1861م) وخاصّة صهره الكاتب محمد المناعي (المتوفّى 1273هـ/1857م) الذي ألّف في التظلّم منه وهجائه رسالة شهيرة.
ويحتاج تقويم آراء ابن أبي الضياف ومواقفه إلى مجال أوسع، ويكفي في هذا المقام أن نشير إلى انتماء الرجل إلى جماعة "خير الدين التونسي"، واعتناقه لمبادئهم القائمة على المصالحة بين الاسلام والليبراليّة الغربيّة والتفتح على أوروبا الرأسماليّة والديمقراطيّة والدعوة إلى الاقتباس عنها وخاصّة في مجال العلم والمعرفة، والحقوق الانسانية، والتمسّك بالملك الدستوري (المقيّد بقانون)، ونزعة استقلالية عن الخلافة العثمانية، وميل إلى الاجتهاد والتفتّح الديني. وقد تأثّر ابن أبي الضياف كذلك أيّما تأثّر بشيخه إبراهيم الرياحي(المتوفّى 1266هـ/1850م) صاحب المواقف المعارضة للحكم المطلق، ومنها الحكم بجواز الاحتماء بالأجنبي إذا خاف المسلم على نفسه أو ماله. ولنا في "الاتحاف" من المواقف الجريئة والمتحرّرة ما يوطّد مكانة ابن أبي الضياف، الفقيه المتشبّع بمبادئ العدل، والحرية، والوطنية، ذاك الذي يتألّم لحال "الايالة التونسية الفقيرة حسّا ومعنى" ويناصر "التنظيمات"، ويقف ضدّ "حكم الاطلاق" والتصرّف في النفس البشرية بغير قانون، ذاك الذي أغضب البايات مرارا وأحرجهم بكلمة الحقّ.ولعلّ بعض ما يعلّل هذه الاراء والمواقف انتماؤه إلى جماعة "خير الدين" أقوى حركات التحديث في القرن التاسع عشر الميلادي بتونس، وتأثّره بالمفكّر المصري رفاعة رافع الطهطاوي (المتوفّى 1290هـ/1873م) ، واطّلاعه على الأوضاع الخارجية بحكم اتصاله بالبلاط أو عند قيامه برحلات في مهامّ رسمية (الاستانة - فرنسا).

آثاره 

اتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان

إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان 

جاء في ثمانية أبواب بعد مقدّمة نظرية في أنظمة الحكم (العقد الأوّل "في الملك وأصنافه في الوجود")، ومدخل تاريخي موجز لما سبق من دول قبل حمّودة باشا الحسيني (العقد الثاني في الالمام بأمراء إفريقية وبيوت الملك بالقيروان والمهدية وتونس). وتهتمّ الأبواب الثمانية، وهي جوهر الكتاب، بالملوك الحسينيين من حمّودة باشا إلى محمد الصادق باي، أفرد المؤلف لكلّ واحد منهم بابا، وقد اتّخذ التأليف في ذلك مسار التواريخ الحولية وختم الكتاب بقسم ترجم فيه المؤلّف لعدد من الأعيان. وقد بدأ ابن أبي الضياف تحرير كتابه سنة 1278هـ/1862مبعد جمعه للوثائق والمواد، وانتهى منه قبيل وفاته سنة 1289هـ/1872م.
وقد طبع العقد الأوّل من الكتاب بالمطبعة الرسمية التونسية سنة 1319هـ/1901 - 2م، و نشر الكتاب كاملا بتونس عن كتابة الدولة للشؤون الثقافية في ثمانية أجزاء سنة 1963 - 4م (دون فهارس) ، وأعيد نشر أجزائه الثلاثة الأولى سنة 1976 - 9م. وصدرت نشرة ثانية لكامل الكتاب سنة 1989م لم تختلف عن النشرة الأولى إلاّ في وجود بعض الصور، والعناوين الفرعية والتعاليق البسيطة لمحمد شمّام (الجزآن 2 - 1), وأحمد الطويلي (الجزآن 4 - 3)، ورياض المرزوقي (الجزآن 5 - 6) وبقي الجزآن الأخيران على حالهما. وقد صدرت سنة 1999م عن وزارة الثقافة نشرة جديدة لها فهارسها. لكنّ التحقيق العلمي لم يتوفّر إلاّ بالنسبة إلى بعض أقسام الكتاب، وهي: -البابان الرابع والخامس (دولة حسين باي ومصطفي باي)، وقد حقّقهما وترجمهما إلى الفرنسية أندري ريمون   في جزءين خصّص ثانيهما للتعاليق، وصدر التحقيق عن دار "أليف" بمشاركة المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية، ومعهد البحوث المغاربية المعاصرة سنة 1994م. -الباب السادس (دولة أحمد باي) وقد حقّقه أحمد عبد السلام، صدر عن كلية الاداب سنة 1971م.

رسائله 

ويحوي الاتحاف جانبا مهمّا منها (وهو ما كان رسميا محرّرا على لسان البايات) ، كما حقّق محمد الصالح مزالي من رسائل ابن أبي الضياف تتمة لاتحاف أهل الزمان، تونس 1996. (وهي رسائل موجّهة إلى خير الدين لمّا كان بباريس . أما بقية رسائله، وخاصّة ما كان منها شخصيا، فهي مخطوطة (انظر: رياض المرزوقي، من رسائل ابن أبي الضيافالمخطوطة، في "الحياة الثقافية"  

رسالته في المرأة 

وعنوانها حسب المخطوطات: "أسئلة وجّهها عالم فرنساوي وأجاب عنها عالم مسلم"، أو "أسئلة من تلقاء أوروبا وأجوبتها"، ويسمّيها أحمد عبد السلام "الأجوبة الأوروباوية"، وتتضمّن آراء في حال المرأة المسلمة، وردودا على مطاعن الأوروبيين في الاسلام، وقد حقّقها المنصف الشنّوفي ونشرها في حوليات الجامعة التونسية، العدد الخامس   

0 commentaires:

Publier un commentaire