لَيسَ التَّاريخُ سِجلًّا لِلزُّعَماءِ فَحَسب، بَل هُوَ أَيضًا مِرآةٌ لِأسرِهِم، وامتِدادٌ لِظِلالِ السُّلطةِ في حَيواتِ مَن وُلِدوا في قُربِها دونَ أَن يَختاروها. وَفي هذا الإطارِ تَبرُزُ شَخصيّةُ حَليمةِ بن علي، الابنَةِ الصُّغرى لِلرَّئيسِ التُّونِسيّ السّابِق زينِ العابدينِ بن علي، كَحالَةٍ دالَّةٍ على تَشابُكِ الشَّخصيِّ بالسِّياسيّ، والخاصِّ بالعامّ، والبريءِ بالإرثِ الثَّقيل
فَهيَ لَم تَكُن فاعِلًا سِياسيًّا مُباشِرًا، وَلَكِنَّ اسمَها ظَلَّ حاضِرًا في الخِطابِ العُموميّ، تارةً بوَصفِه امتِدادًا لِنِظامٍ ساقِط، وتارةً كَرَمزٍ لِجِيلٍ وُلِدَ في القَصرِ وانتهى في المَنفى
أَوَّلًا: الحَياةُ الشَّخصيّة والسِّياقُ العائلي
وُلِدَت حَليمةُ بن علي في سَبعينيّاتِ أوائلِ التِّسعينيّات (1992)، في فَترةٍ كانَ فيها والدُها يُحكِمُ السَّيطرةَ على مَفاصِلِ الدَّولةِ التُّونِسيّة. وهي الابنَةُ الصُّغرى لِزينِ العابدينِ بن علي مِن زَوجَتِه الثّانِيَة لَيلى الطَّرابُلسي، الأَمرُ الّذي يَضَعُها في قَلبِ عائِلَةٍ حَكَمَت تونسَ لأَكثرَ مِن عَقدَين، واتَّسَمَت عَلاقتُها بالمُجتَمَعِ بِالتَّوتُّرِ والشُّبهةِ والاتِّهامِ المُستَمِرّ
نَشَأَت حَليمةُ في بِيئةٍ مَغلوقَةٍ نِسبيًّا، مُحاطَةٍ بالحِراسةِ والبَروتوكول، وبَعيدةٍ عن الحَياةِ اليوميّة لِلمُواطِنِ التُّونِسيّ. التَّعليمُ، السَّفرُ، وأُفُقُ الحَياةِ كُلُّها كانت مُتاحَةً دونَ حُدود، لا لِتَميُّزٍ شَخصيٍّ بَل بِفَعلِ الانتِماءِ العائليّ
وَهُنا تَكمُنُ المُفارَقة: فَحَليمةُ، كَغَيرِها مِن أَبناءِ الرُّؤَساء، لَم تَصنَعِ النِّظامَ، وَلَكِنَّها وُلِدَت داخِلَه، وحَمَلَت وِزرَه بَعدَ سُقوطِه
بَعدَ ثَورةِ 14 جانفي 2011، وَجَدَت حَليمةُ نَفسَها في مَسارٍ قَسريٍّ مِن القَصرِ إلى المَنفى. خَرَجَت العائِلَةُ مِن تونس، وتَشَظَّت أَفرادُها بَينَ دُوَلٍ مُختَلِفَة، لِيَبدَأَ فَصلٌ جَديدٌ مِن الحَياةِ يَغيبُ فيه الامتِيازُ، ويَحضُرُ فيه اسْمُ العائِلَة كَعِبءٍ لا كَرَصيد.
ثانيًا: علاقتها بوالدها زين العابدين بن علي
العلاقة بين حليمة ووالدها لا يمكن فصلها عن صورة الأب الرئيس
زين العابدين بن علي لم يكن مجرّد أبٍ داخل البيت، بل كان رأس نظامٍ شديد المركزيّة، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات داخل العائلة نفسها
تُشير أغلب الشهادات غير الرسميّة إلى أنّ بن علي كان شخصيّة صارمة، قليلة الظهور العاطفي، شديدة التحفّظ، وهو نمطٌ شائع لدى شخصيّات عسكريّة – أمنيّة صعدت إلى الحكم. و مع ذلك كان ضعيفَا أمام أولاده يُحبُّ بناته كثيرًا و عندما أنجبتْ له زوجته ليلى ولدًا لم يَعُد يرفض لها طلبًا . كانت حليمةُ مُقَرّبةً من والدها لدرجة أنها رفضتْ الركوب في الطائرة للهروب من تونس عندما اندلعت الثورة إلّا و أبوها معها حيثُ أنّهُ لم يكن ينوي الهروب آنذاك .. و لولا حليمة ربما كان لتونس مصيرٌ آخر
بعد خروجه من تونس وإقامته في السعوديّة إلى غاية وفاته سنة 2019، يُرجَّح أنّ علاقة حليمة به أُعيد تشكيلها في إطار المنفى
لم يعد رئيسًا، بل أبًا مخلوعًا، محاصرًا بالمرض والخذلان السياسي، وهو ما يُغيّر بالضرورة ديناميّة العلاقة، ويجعلها أقرب إلى علاقة حمايةٍ عاطفيّةٍ متبادلة من عالمٍ خارجيٍّ معادٍ
ثالثًا : علاقتها بوالدتها ليلى الطرابلسي : الإرث الأثقل
إذا كان اسم بن علي مرتبطًا بالاستبداد السياسي، فإنّ اسم ليلى الطرابلسي ارتبط في الذاكرة التونسيّة بـالفساد، والنفوذ العائلي، والتغوّل الاقتصادي
وهنا تصبح علاقة حليمة بوالدتها أكثر تعقيدًا، لأنّ ليلى لم تكن فقط أمًّا، بل كانت فاعلًا مركزيًّا في النظام، ووجهًا من وجوهه الأكثر إثارة للغضب الشعبي. وعندما ثار الناس في تونس اتّهمتْ حليمة أقارب والدتها بأنّهم السبب في تدهور حكم والدها و سقوطه . و في موقف ملحمي انفجرتْ بالصراخ عليهم ليلة هروب بن علي
نشأت حليمة في ظلّ أمٍّ قويّة الحضور، حادّة التأثير، وهو ما يجعل العلاقة مزيجًا من
القرب العاطفي الطبيعي، والتماهي مع نموذج سلطوي داخل العائل
ثم لاحقًا، تحمّل تبعات صورة أمٍّ صارت رمزًا للكراهية العامّة
في المنفى، تحوّلت هذه العلاقة – على الأرجح – إلى علاقة اعتماد متبادل، حيث لم تعد ليلى الطرابلسي “السيّدة الأولى”، بل أمًّا ملاحَقة بالذاكرة والملفّات، وابنتها شريكة في ثقل الاسم والمصير. حيثُ تواترت الأخبار على إيقاف حليمة إبنة الزّين في فرنسا مؤخّرًا
رابعًا: حياتُها العاطفية
بعد فرارهم , كان أوّل ظهور لعائلة بن علي في حفل خطوبة ابنتهم حليمة
ارتبطت حليمة ابنة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي بالزواج من شابٍّ ليبي الجنسية أصيل طرابلس ومن أثرياء العاصمة الليبية وهو ابن مسؤول سابق وكبير عمل مع الزعيم الراحل معمر القذافي لأعوام عديدة
وبحسب ما نشرت وسائل الإعلام فإن زوج حليمة أهداها منزلا فخما بمثابة قصر في مدينة النخلة العائمة بدبي وهي مدينة اصطناعية أين تقطن حليمة، كما قّدم لها طائرة خاصة وضعها على ذمتها
وذكر موقع الشروق التونسي أنّ حليمة استقرت في دبي بالامارات العربية المتحدة الى حين انهاء دراستها الجامعية في اختصاص القانون قبل أن تلتحق لاحقا للسكن بين السعودية وعاصمة دولة اوروبية كبرى
قبل هروب الأسرة في 14 يناير 2011 ,خطيب حليمة ابنة الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي، هو رجل الأعمال التونسي مهدي بن قايد .أفادت بعض التقارير بوقوع الخطوبة في حفل عائلي قبل فترة وجيزة من الثورة التونسية . وقد تواجد في قصر قرطاج مع حليمة خلال الساعات الأخيرة قبل مغادرة بن علي البلاد .و قام مهدي بفسخ عقد خطوبته من ابنة الرئيس المخلوع حليمة بعد سقوط حكم والدها
خامسًا : حَليمةُ بن علي كَحالَةٍ رَمزيّة
تُمَثِّلُ حَليمةُ بن علي حالَةً إِنسانيّةً وسِياسيّةً مُعَقَّدَة: فَهيَ ضَحيّةُ إرثٍ لَم تَختَرْه، وفي نَفسِ الوَقتِ مُرتَبِطَةٌ باسْمٍ لا يُمكِنُ فَصلُه عن الاستِبدادِ في الذّاكرةِ الجَمعيّة
وَهُنا يَظهَرُ سُؤالٌ مَركَزيّ: إِلى أَيِّ حَدٍّ يَجِبُ أَن يَدفَعَ الأَبناءُ ثَمَنَ السُّلطةِ الّتي مارَسَها الآباء؟
إِنَّ النَّظَرَ إلى حَليمةِ بن علي لا يَنبَغي أَن يَكونَ نَظَرًا تَشْهِيريًّا ولا تَبريريًّا، بَل تَحليليًّا هادِئًا يَضَعُ الشَّخصَ في سِياقِه التّاريخيّ والسِّياسيّ. فَقِصَّتُها تُلَخِّصُ مَأساةَ جِيلٍ وُلِدَ في ظِلِّ السُّلطة، ثُمَّ اسْتَيقَظَ على أَنقاضِها، يَحمِلُ اسمًا ثَقيلًا في عالَمٍ لا يَنسى.
وَبَينَ المَسؤوليّةِ القَضائيّة، والرَّمزِيّةِ السِّياسيّة، تَبقى حَليمةُ بن علي شاهِدًا صامِتًا على أَنَّ الثَّوراتِ لا تُسقِطُ الأَنظِمَةَ فَحَسب، بَل تُعيدُ تَشكيلَ مَصائِرِ الأَفرادِ، حَتّى أُولئِكَ الّذينَ لَم يَكونوا يَومًا في واجِهَتِها









.jpg)
.jpg)


